النسفي
46
طلبة الطلبة في الإصطلاحات الفقهية
قال : كبّه اللّه وأذلّه . وفي بعض الروايات : ( من أدرك رمضان فلم يغفر له ، فأبعده اللّه ) « 1 » قيل : معناه أهلكه اللّه ، من قولك : بعد يبعد بعدا فهو بعيد ، من حدّ علم ، أي هلك . قال اللّه تعالى : أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ وقيل : معناه بعده اللّه من رحمته وكرامته ، من البعد الذي هو ضدّ القرب وقد بعد يبعد بعدا فهو بعيد ، من حدّ شرف . فإن قالوا : كيف دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على هؤلاء الثّلاثة دعاء السّوء ، وقد أرسل رحمة للعالمين ؟ وكان يدعو لعصاة أمّته في جميع مدّته ويبشّر أهل الكبائر بشفاعته ؟ ! قلنا : عنه جوابان ، أحدهما يشتمل الروايتين ، والثاني يخصّ الرّواية الثّانية . أمّا الأوّل فإنّما قال ذلك موافقة لجبريل عليه السلام في الحال ، وفي تدارك ذلك بما كان دعا قبل ذلك ربّه أن يستجيب مثل هذا الدّعاء في أهله بالخير على ما روي أنّه عليه السّلام قال : ( إنّي عاهدت ربّي ، وقلت : يا ربّ إنّي بشر أغضب كما يغضب البشر فأيّما عبد مسلم سببته أو لعنته في حال غضبي فاجعل ذلك رحمة له وكرامة ، فأجابني إلى ذلك ) ، وأما الجواب الثاني في الرواية الثانية : وهو قوله عليه الصّلاة والسّلام ( فأبعده اللّه ) فقد سمعت عن شيخي الإمام الخطيب الأستاذ إسماعيل بن محمّد النّوحي يحكي عن الشيخ الإمام عبد العزيز بن أحمد الحلواني رحمهم اللّه أنّه يحكي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنّه سئل : لم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على هؤلاء النّفر الثلاثة المذكورين في هذا الحديث دعاء السّوء ، وهو نبيّ الرحمة ؟ فقال : لم يدع عليهم بالسّوء ، ولم قلتم إنّه دعاء سوء ؟ فقالوا : إنّه قال : ( فأبعده اللّه ) قال : فأيّ شيء أبعده اللّه ؟ قالوا : أبعده اللّه من الرّحمة والكرامة ، ونحو ذلك ، قال : وما الدّليل على ذلك ؟ قالوا : فأيّ شيء معناه ؟ قال : معناه واللّه أعلم : من أدرك رمضان فلم يغفر له أو أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له أو ذكرت بين يديه فلم يصلّ عليّ ، فقد استحقّ الوعيد فأبعده اللّه من ذلك الوعيد ، فهذا دعاء لهم بالخير ، وليس بدعاء عليهم بالشّرّ ، وهذه فائدة جليلة تنبّه لها إمام الأئمة ، ونبّه عليها علماء الأمّة وباللّه التّوفيق . وقوله وهو يرى أنّ الشّمس قد غابت بضمّ الياء : أي يظنّ : يقال : رؤى ، على ما لم يسمّ فاعله ، أي ظنّ ، ومستقبله يرى بحذف الهمزة ، وأصله يرأى ، كما قيل في الرؤية : رأى يرى وأصله يرأى ، فحذف الهمزة في المستقبل للتّخفيف . وفي حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه :
--> - للّه تعالى ذلّ عن كره . انظر القاموس المحيط [ 4 / 121 ] . ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير ( 11 / 82 ) ح [ 11115 ] ، وقال الحافظ الهيثمي : وفيه يزيد بن أبي زياد وهو مختلف فيه ، وبقية رجاله ثقات . انظر مجمع الزوائد [ 10 / 168 ] .